د٠ أسماء الشربيني تكتب:واجب الستر
كنتُ صغيرة حينما سمعت عجوزًا تقول لامرأة تتهمها بالسرقة :
"يا بنتي، لو كشف الله الستر عن الناس، ما جلس أحدٌ إلى أحد!"
سكتُ يومها، ولم أفهم ما علاقة الجلوس بالستر..!
واليوم، بعدما كبرتُ بما يكفي لأخاف من نفسي قبل غيري،
أدركتُ أن كل ما عرفتُ عن الناس ومنهم بجميله وقبيحه..
هو في المقام الأول، واجب الستر.
فالستر... لا يعني أن نُخفي القبيح فقط،
بل أن نحمي الجميل من التلوث،
أن نصون لحظات الضعف من أعين المارة،
ونترك فرصةً لمن سقط أن يقوم دون تصفيقٍ ولا شماتة.
رأيت في الحياة من سُتِرَ فعاد أصلح مما كان،
ومن فُضِحَ فمات حيًّا، لا جسدًا بل روحًا.
وحين أتأمل قول الشاعر:
"وإني لأستحيي من الله أن أرى..
ذنوبًا سترها ثم لا أستحيي"
أفهمُ أن الستر ليس للناس فقط،
بل للعبد مع ربّه،
أن تُخفي ذنبك ندمًا لا مكابرة،
وأن تصمت عن خطيئة غيرك رحمةً لا خوفًا.
تعلمت من سنين أن بعض القصص لا تُروى،
وبعض الأسرار لا تُفتح حتى أمام الأهل.
الستر لا يُضعف الحقيقة،
بل يُهذّبها.
إنه مثل قميص يوسف..
لم يرفع عنه الكذب، لكنه حفظ الكرامة.
كم مرةٍ رأيت وجوهًا مكسورة لم تحتمل ضوء الفضيحة،
وكم مرةٍ شعرت أن سترك لغيرك سترٌ لك أنت..!
يالله!!!
كأن الله يراك من عليائه ويقول:
"كما رحمتَ، أرحمك."
لهذا، حين تُتاح لي فرصة أن أرى؛
أُغمض.
وحين يُلقى إليّ بسرٍّ؛
أدفنه.
فما أكثر ما ننجو به من الله دون أن نعلم،
وما أجمل أن نكون سبب نجاة أحدهم دون أن نُخبر أحدًا بذلك.
هذه كلمات كتبت.. بالدمع،
لا الحروف،
فاقرأوها بالقلب ورحمته، لا العقل وسطوته.




